الاعتكاف الواجب
إذا نذر المرء أن يعتكف وجب عليه. وقد يكون النذر مطلقًا: «لله عليّ أن أعتكف ثلاثة أيام»، وقد يكون معلّقًا: «إن شُفيت أو قُضيت حاجتي اعتكفتُ كذا يومًا». فإن لم يفِ أثم. والصوم شرط فيه، فلا يكون المنذور أقلّ من يوم.
العبادة
لزوم المسجد بنيّة التقرب إلى الله تعالى، على وجهٍ مخصوص.
ما هو
غاية الاعتكاف أن يُقلّل المرء صلته بالدنيا إلى أدنى حدّ فيخلو بنفسه؛ ويتفكّر في غاية خلقه وما حُمِّل من أمانة؛ ويحيي ليلة القدر؛ ويرجو المغفرة ويتقرّب إلى الله بكثرة العبادة والدعاء.
الاعتكاف في الاصطلاح: «لزوم المسجد بنيّة التقرب إلى الله تعالى، على وجهٍ مخصوص». وتروي كتب الحديث أن النبي ﷺ كان بعد الهجرة إلى المدينة يعتكف العشر الأواخر من كل رمضان، وأن أزواجه كنّ يعتكفن معه في الغالب. (مسلم، الاعتكاف ٣؛ الترمذي، الصوم ٨٠)
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله، وأيقظ أهله للعبادة، واجتهد فيها أكثر من غيرها، وكان يوصي المسلمين بذلك. (مسلم، الاعتكاف ٧)
والاعتكاف عبادة معروفة منذ عهد إبراهيم عليه السلام (البقرة ١٢٥). أقرّه القرآن، وكان له في حياة النبي ﷺ شأن؛ فقد اعتكف في المدينة كل عام إلا عامًا واحدًا. (الترمذي، الصوم ٧٩)
وقد عرفته مكة قبل الإسلام، ثم صار سنّةً بفعل النبي ﷺ. كان يعتكف في المسجد النبوي، وغالبًا في العشر الأواخر من رمضان، فيقضي ساعات يومه كلها فيه، وتُضرب له خيمة في المسجد لهذا الغرض، ولا يخرج منه إلا لحاجة. (مسلم، الاعتكاف ٧٩؛ الترمذي، الصوم ١-٦؛ أبو داود، الصوم ٧٧-٧٨)
والاعتكاف وسيلة فعّالة في صون النفس عمّا حُرِّم، وهو يزيد فرصةَ إدراك ليلة القدر ورجاءَها، وهي تُلتمس في العشر الأواخر. فهو للمؤمن الذي لا يجد لنفسه وقتًا في كثافة الحياة الحديثة فرصةٌ نادرة: يحاسب نفسه على عامه المنصرم، ويخطط لمستقبله على وجهٍ أنفع، وينهل من مناخ رمضان الروحي أكثر.
وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ
«ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد.»
٢ / البقرة، ١٨٧الأدلة
الاعتكاف عبادة مشروعة، ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة معًا.
أمّا الكتاب فالآية المتقدّمة تُقرّ الاعتكاف صراحةً.
كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا — لأنه كان مسافرًا — فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يومًا.
أنس بن مالك وأُبيّ بن كعب — أبو داود، الصوم ٧٧؛ الترمذي، الصوم ٧٩وأنس بن مالك نال شرف خدمة النبي ﷺ عشر سنين في المدينة، وهو من أكثر الصحابة رواية للحديث. وأُبيّ بن كعب من أحسن الصحابة قراءةً للقرآن.
الشروط
للاعتكاف — كسائر العبادات — شروط، منها:
الأقسام
إذا نذر المرء أن يعتكف وجب عليه. وقد يكون النذر مطلقًا: «لله عليّ أن أعتكف ثلاثة أيام»، وقد يكون معلّقًا: «إن شُفيت أو قُضيت حاجتي اعتكفتُ كذا يومًا». فإن لم يفِ أثم. والصوم شرط فيه، فلا يكون المنذور أقلّ من يوم.
الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنّة؛ لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأواخر من كل رمضان منذ فُرض الصوم إلى أن توفّاه الله. وهو واقع في رمضان فالمعتكف صائم أصلًا.
وما سوى ذلك من الاعتكاف مستحب، وليس له مدة معيّنة، بل يصح للحظة يسيرة. حتى إن من دخل المسجد فنوى الاعتكاف إلى أن يخرج، كان معتكفًا ما دام فيه وناله أجره.
النية
يكفي في أقصر صورها أن يقول:
نَوَيْتُ الِاعْتِكَافَ لِلَّهِ تَعَالَى
«نويتُ الاعتكافَ لله تعالى».
نَوَيْتُ سُنَّةَ الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ إِلَى آخِرِ رَمَضَانَ
«نويتُ سنّةَ الاعتكافِ في هذا المسجدِ إلى آخرِ رمضان»
ومع نيّة إحياء سنّة النبي ﷺ في اعتكاف رمضان، يُنوى كذلك:
«…نويتُ أن أجتهد قدر طاقتي، فاجعل توفيقك رفيقًا لنا يا ربّ!»
في الداخل
يجمع المعتكف قلبه ويُقبل بكلّيته على عبادة الله.
النساء
نعم. تعتكف المرأة في بيتها؛ تتخذ غرفةً من بيتها مصلًّى فتقول: «هذا مسجدي»، وتعتكف فيه. فإذا أقامت شروط الاعتكاف وأدّت عباداتها هناك نالت أجره.
وتروي كتب الحديث أن أزواج النبي ﷺ كنّ يعتكفن معه في الغالب.
أسئلة وأجوبة
يُدخل قبل غروب مساء اليوم العشرين من رمضان، حتى تُقضى العشر الأواخر كلها في المعتكَف.
وينتهي بعد عصر آخر يوم من رمضان؛ ومن بات في المسجد تلك الليلة جاز له البقاء إلى صبيحة العيد.
في مسجد تقام فيه الجمعة والصلوات الخمس جماعة. يعقد النيّة ثم يدخل.
نعم. والاعتكاف المستحب ليس له مدة معيّنة، بل يصح للحظة يسيرة. وتُعقد النيّة كما في قسم «النية» أعلاه.
يجوز الخروج بعد صلاة العصر من آخر يوم في رمضان؛ ومن بقي تلك الليلة جاز له البقاء إلى العيد.
الخروج من موضع الاعتكاف بغير ضرورة.
الجماع.
(للنساء) طروء الحيض أو النفاس.
إن أراد المواصلة جدّد النيّة وتابع من حيث انتهى؛ وإن كان اعتكافًا واجبًا لزمه الوفاء بما نذر.
غاية الاعتكاف تقليل الصلة بالدنيا إلى أدنى حدّ، وكل اشتغال زائد على الحاجة يُضعف هذه الغاية. وما ورد في النيّة من «تجنّب فضول الكلام مع الناس ما أمكن» يشمل بلغة اليوم الإشعارات أيضًا.
يخرج لحاجته الضرورية. وقد كان النبي ﷺ لا يخرج من المسجد إلا لحاجة. (مسلم، الاعتكاف ٧٩)