الاعتكاف

العبادة

الاعتكاف

لزوم المسجد بنيّة التقرب إلى الله تعالى، على وجهٍ مخصوص.

انزل

ما هو

تقليل الصلة بالدنيا إلى أدناها

غاية الاعتكاف أن يُقلّل المرء صلته بالدنيا إلى أدنى حدّ فيخلو بنفسه؛ ويتفكّر في غاية خلقه وما حُمِّل من أمانة؛ ويحيي ليلة القدر؛ ويرجو المغفرة ويتقرّب إلى الله بكثرة العبادة والدعاء.

الاعتكاف في الاصطلاح: «لزوم المسجد بنيّة التقرب إلى الله تعالى، على وجهٍ مخصوص». وتروي كتب الحديث أن النبي ﷺ كان بعد الهجرة إلى المدينة يعتكف العشر الأواخر من كل رمضان، وأن أزواجه كنّ يعتكفن معه في الغالب. (مسلم، الاعتكاف ٣؛ الترمذي، الصوم ٨٠)

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله، وأيقظ أهله للعبادة، واجتهد فيها أكثر من غيرها، وكان يوصي المسلمين بذلك. (مسلم، الاعتكاف ٧)

والاعتكاف عبادة معروفة منذ عهد إبراهيم عليه السلام (البقرة ١٢٥). أقرّه القرآن، وكان له في حياة النبي ﷺ شأن؛ فقد اعتكف في المدينة كل عام إلا عامًا واحدًا. (الترمذي، الصوم ٧٩)

وقد عرفته مكة قبل الإسلام، ثم صار سنّةً بفعل النبي ﷺ. كان يعتكف في المسجد النبوي، وغالبًا في العشر الأواخر من رمضان، فيقضي ساعات يومه كلها فيه، وتُضرب له خيمة في المسجد لهذا الغرض، ولا يخرج منه إلا لحاجة. (مسلم، الاعتكاف ٧٩؛ الترمذي، الصوم ١-٦؛ أبو داود، الصوم ٧٧-٧٨)

والاعتكاف وسيلة فعّالة في صون النفس عمّا حُرِّم، وهو يزيد فرصةَ إدراك ليلة القدر ورجاءَها، وهي تُلتمس في العشر الأواخر. فهو للمؤمن الذي لا يجد لنفسه وقتًا في كثافة الحياة الحديثة فرصةٌ نادرة: يحاسب نفسه على عامه المنصرم، ويخطط لمستقبله على وجهٍ أنفع، وينهل من مناخ رمضان الروحي أكثر.

وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ

«ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد.»

٢ / البقرة، ١٨٧

الأدلة

ما دليل الاعتكاف في الإسلام؟

الاعتكاف عبادة مشروعة، ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة معًا.

أمّا الكتاب فالآية المتقدّمة تُقرّ الاعتكاف صراحةً.

كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عامًا — لأنه كان مسافرًا — فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يومًا.

أنس بن مالك وأُبيّ بن كعب — أبو داود، الصوم ٧٧؛ الترمذي، الصوم ٧٩

وأنس بن مالك نال شرف خدمة النبي ﷺ عشر سنين في المدينة، وهو من أكثر الصحابة رواية للحديث. وأُبيّ بن كعب من أحسن الصحابة قراءةً للقرآن.

الشروط

شروط الاعتكاف

للاعتكاف — كسائر العبادات — شروط، منها:

  1. النيّة. النية شرط في الاعتكاف كما هي شرط في غيره من العبادات؛ فالمكث في المسجد بلا نيّة لا يُعدّ اعتكافًا.
  2. أن يعتكف الرجل في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس جماعة. وأفضل الاعتكاف ما كان في المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى. وفضل ما سواها يختلف بكثرة الجماعة.
  3. الصوم. وهو شرط في الاعتكاف الواجب.
  4. طهارة النساء من الحيض والنفاس. وأمّا الجنابة فلا تمنع الصوم، فلم تكن الطهارة منها شرطًا حتى في الاعتكاف الواجب؛ ولذلك لو احتلم المعتكف في المسجد لم يبطل اعتكافه.

الأقسام

الاعتكاف على ثلاثة أقسام

٠١

الاعتكاف الواجب

إذا نذر المرء أن يعتكف وجب عليه. وقد يكون النذر مطلقًا: «لله عليّ أن أعتكف ثلاثة أيام»، وقد يكون معلّقًا: «إن شُفيت أو قُضيت حاجتي اعتكفتُ كذا يومًا». فإن لم يفِ أثم. والصوم شرط فيه، فلا يكون المنذور أقلّ من يوم.

٠٢

الاعتكاف المسنون

الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنّة؛ لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأواخر من كل رمضان منذ فُرض الصوم إلى أن توفّاه الله. وهو واقع في رمضان فالمعتكف صائم أصلًا.

٠٣

الاعتكاف المستحب

وما سوى ذلك من الاعتكاف مستحب، وليس له مدة معيّنة، بل يصح للحظة يسيرة. حتى إن من دخل المسجد فنوى الاعتكاف إلى أن يخرج، كان معتكفًا ما دام فيه وناله أجره.

النية

كيف تُعقد النيّة عند دخول الاعتكاف؟

يكفي في أقصر صورها أن يقول:

نَوَيْتُ الِاعْتِكَافَ لِلَّهِ تَعَالَى

«نويتُ الاعتكافَ لله تعالى».

النيّة المفصّلة

نَوَيْتُ سُنَّةَ الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ إِلَى آخِرِ رَمَضَانَ

«نويتُ سنّةَ الاعتكافِ في هذا المسجدِ إلى آخرِ رمضان»

ومع نيّة إحياء سنّة النبي ﷺ في اعتكاف رمضان، يُنوى كذلك:

  • الاجتناب الشديد المتيقّظ لكل نوع من المحرمات والذنوب؛
  • مجاهدة النفس الأمّارة والسعي في إصلاحها؛
  • نزع الأخلاق السيئة واكتساب الحسنة وتقويم الخلق؛
  • قضاء الأوقات في العبادة قدر الطاقة؛
  • تجنّب فضول الكلام مع الناس ما أمكن؛
  • دوام الطهارة، والنوم على وضوء؛
  • صلاة ركعتين لتجديد الوضوء بعد كل وضوء؛
  • أداء نوافل الإشراق والضحى والأوّابين والتهجّد؛
  • الإكثار من ذكر الله؛
  • الإكثار من تلاوة القرآن الكريم؛
  • كثرة الدعاء بالخير لأمة محمد ﷺ؛
  • نوم يسير بعد العشاء، ويسير بعد الإشراق، ويسير بعد الظهر قبل العصر، اكتسابًا للقوة على عبادة واعية نشطة في بقية الأوقات؛
  • ترك التدخّل في شأن الناس، والاشتغال بشأن النفس، وإتقان العبادة؛
  • الصبر والاحتمال ولو لقي ما يكره من الأمور والأحوال؛
  • حمل الأمور على أحسنها، والإغضاء عن الناس، وأخذ العبرة من كل حادثة؛
  • دوام التفكّر، وأخذ كل نفَس وردّه بوعي ما أمكن؛
  • كثرة تذكّر الذنوب والتوبة إلى الله بالدموع.

«…نويتُ أن أجتهد قدر طاقتي، فاجعل توفيقك رفيقًا لنا يا ربّ!»

في الداخل

ماذا يُفعل في الاعتكاف؟

يجمع المعتكف قلبه ويُقبل بكلّيته على عبادة الله.

  • يقرأ القرآن.
  • يشتغل بالذكر والدعاء.
  • يصلي النوافل كالتهجد والإشراق والضحى والأوّابين.
  • يقرأ الحديث؛ ويتعلّم العلم ويعلّمه.
  • يقرأ سيرة النبي ﷺ وأخلاقه وأخبار الأنبياء.
  • يحترز من الذنب، ومن الفراغ، ومن إضاعة الوقت.

النساء

هل تعتكف النساء؟

نعم. تعتكف المرأة في بيتها؛ تتخذ غرفةً من بيتها مصلًّى فتقول: «هذا مسجدي»، وتعتكف فيه. فإذا أقامت شروط الاعتكاف وأدّت عباداتها هناك نالت أجره.

وتروي كتب الحديث أن أزواج النبي ﷺ كنّ يعتكفن معه في الغالب.

أسئلة وأجوبة

الأسئلة الشائعة

متى يبدأ الاعتكاف في رمضان ومتى ينتهي؟

يُدخل قبل غروب مساء اليوم العشرين من رمضان، حتى تُقضى العشر الأواخر كلها في المعتكَف.

وينتهي بعد عصر آخر يوم من رمضان؛ ومن بات في المسجد تلك الليلة جاز له البقاء إلى صبيحة العيد.

أين يعتكف الرجال وكيف؟

في مسجد تقام فيه الجمعة والصلوات الخمس جماعة. يعقد النيّة ثم يدخل.

هل يصح الاعتكاف أقل من عشرة أيام؟

نعم. والاعتكاف المستحب ليس له مدة معيّنة، بل يصح للحظة يسيرة. وتُعقد النيّة كما في قسم «النية» أعلاه.

متى ينتهي وقت الاعتكاف بالضبط؟

يجوز الخروج بعد صلاة العصر من آخر يوم في رمضان؛ ومن بقي تلك الليلة جاز له البقاء إلى العيد.

ما الذي يبطل الاعتكاف؟

الخروج من موضع الاعتكاف بغير ضرورة.

الجماع.

(للنساء) طروء الحيض أو النفاس.

ماذا يفعل من بطل اعتكافه؟

إن أراد المواصلة جدّد النيّة وتابع من حيث انتهى؛ وإن كان اعتكافًا واجبًا لزمه الوفاء بما نذر.

هل يجوز استعمال الهاتف والإنترنت أو العمل في الاعتكاف؟

غاية الاعتكاف تقليل الصلة بالدنيا إلى أدنى حدّ، وكل اشتغال زائد على الحاجة يُضعف هذه الغاية. وما ورد في النيّة من «تجنّب فضول الكلام مع الناس ما أمكن» يشمل بلغة اليوم الإشعارات أيضًا.

متى يجوز الخروج من المسجد؟

يخرج لحاجته الضرورية. وقد كان النبي ﷺ لا يخرج من المسجد إلا لحاجة. (مسلم، الاعتكاف ٧٩)